فخر الدين الرازي
232
النبوات وما يتعلق بها
--> وعند الانتقال من القوس إلى الجدى ، تنتقل الشمس من الهبوط إلى الصعود ، ومن غاية انتقاص النهار إلى ازدياده . فالجدى أفضل ممن السرطان ، فلهذا جعلوا الجدى باردا رطبا ، فصارت طبائع هذه البروج الأربعة معلومة . ثم نقول : الحرارة والبرودة فاعلتان : واليبوسة والرطوبة منفعلتان . والفاعل قوى ، والمنفعل ضعيف ، فلو توالى حاران ، أو باردان ، لعظم التسخين أو البريد ، ولهلك العالم . فوجب أن يحصل برج حار ، ثم برج بارد ، ثم حار ، ثم بارد . وأما النقطتان ، فلو حصل يابس ثم رطب ، لاعتدل كل واحد منهما بالآخر ، ولبطل تأثير كل واحد منهما ، فالأصوب أن يحصل يابسان ، ثم رطبان . وهكذا على الترتيب . وإذا ظهرت هذه المقدمات ، وجب أن يكون الأول حارا يابسا ، والثاني باردا يابسا ، والثالث حارا رطبا ، والرابع باردا رطبا . وكذا القول في الأربعة الثانية والثالثة . وإذا عرفت هذا فنقول : قد عرفت : ان أربعة منها متقلبة ، وهي أوائل الفصول . والأربعة الثانية : ثابتة ، وهي أوساط الفصول ، والأربعة الثالثة ذوات الجسدين . والوجه الثاني في قسمة الفلك باثني عشر قسما : القسمة المبنية على الطالع . وما رأيت لأحد في تعيين هذه البيوت : علة مناسبة . والّذي حصلته أن نقول : ان أربعة منها : أوتاد . وهي الطالع والرابع والسابع والعاشر . أما الطالع فإنه يدل على الابتداء في كل شيء ويقال له بيت الحياء والنفس . والسبب فيه : أن درجة الطالع ظهرت بعد الخفاء ، كما أن الولد ظهر في هذا العالم بعد الخفاء ، فلما حصلت المشابهة بينهما من هذا الوجه ، لا جرم جعل الطالع دليلا عليه . واعلم : أن البرهان الأعظم في علم النجوم : هو كون أحدهما مشابها للآخر من بعض الوجوه ، وأما الوتد الثاني وهو الرابع فإنه وتد الأرض ، لأجل أنه تحت الأرض . له صفات : أحدها : أنه وتد الأرض ، وشبه الأصل الّذي منه يظهر الطالع ، ومنه يتولد فلا جرم جعل دليلا على الآباء والأجداد ، ومشايخ أهل البيت . وثانيها : أنهم نسبوا الأملاك والعقارات إليه . ثالثها : أنه لما كان في غاية الخفاء ، نسبوا إليه عواقب الأمور لكون العواقب مخفية غير معلومة . وأما الوتد الثالث ، وهو السابع فهو بيت مقابل الطالع ، وهو يدل على المقابل . فلهذا يقال : انه بيت الاضداد